صفي الرحمان مباركفوري

19

الرحيق المختوم

قباذ كما تبعه كثير من رعيته ، ثم أرسل قباذ إلى ملك الحيرة - وهو المنذر بن ماء السماء - يدعوه إلى أن يختار هذا المذهب ويدين به ، فأبى عليه ذلك حمية وأنفة ، فعزله قباذ ، وولى بدله الحارث بن عمرو بن حجر الكندي بعد أن أجاب دعوته إلى المذهب المزدكي . وخلف قباذ كسرى أنوشروان ، وكان يكره هذا المذهب جدا ، فقتل المزدك وكثيرا ممن دان بمذهبه ، وأعاد المنذر إلى ولاية الحيرة ، وطلب الحارث بن عمرو لكنه أفلت إلى دار كلب ، فلم يزل فيهم حتى مات . واستمر الملك بعد المنذر بن ماء السماء في عقبة ، حتى كان النعمان بن المنذر ، وهو الذي غضب عليه كسرى بسبب وشاية دبرها زيد بن عدي العبادي ، وأرسل كسرى إلى النعمان يطلبه ، فخرج النعمان حتى نزل سرا على هانئ بن مسعود سيد آل شيبان ، فأودعه أهله وماله ، ثم توجه إلى كسرى ، فحبسه كسرى حتى مات وولي على الحيرة بدله إياس بن قبيصة الطائي ، وأمره أن يرسل إلى هانئ بن مسعود يطلب منه تسليم ما عنده ، فأبى ذلك هانئ حمية ، وآذن الملك بالحرب ، ولم تلبث أن جاءت مرازبة كسرى وكتائبه في موكب إياس ، وكانت بين الفريقين موقعة هائلة عند ذي قار ، وانتصر فيها بنو شيبان ، وانهزمت الفرس هزيمة منكرة . وهذا أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم ، وهو بعد ميلاد الرسول صلى اللّه عليه وسلم بقليل ، فإنه عليه السلام ولد لثمانية أشهر من ولاية إياس ابن قبيصة على الحيرة . وولّى كسرى على الحيرة بعد إياس حاكما فارسيا ، وفي سنة 632 م عاد الملك إلى آل لخم ، فتولى منهم المنذر الملقب بالمعرور ، ولم تزد ولايته على ثمانية أشهر حتى قدم عليه خالد بن الوليد بعساكر المسلمين « 1 » . الملك بالشام في العهد الذي ماجت فيه العرب بهجرات القبائل صارت بطون من قضاعة إلى مشارف الشام وسكنت بها ، وكانوا من بني سليح بن حلوان الذين منهم بنو ضجعم بن سليح المعروفون باسم الضجاعمة ، فاصطنعهم الرومان ليمنعوا عرب البرية من العبث ، وليكونوا عدة ضد الفرس ، وولوا منهم ملكا ، ثم تعاقب الملك فيهم سنين ، ومن أشهر ملوكهم زياد بن الهبولة ، ويقدر زمنهم من أوائل القرن الثاني الميلادي إلى نهايته تقريبا ، وانتهت

--> ( 1 ) محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية للخضري 1 / 29 ، 30 ، 31 ، 32 .